محمد هادي معرفة

194

التمهيد في علوم القرآن

والآية بسياقها تشهد بأنّها مكيّة ، نزلت توبيخا لصمود المشركين تجاه نزول القرآن وإباءهم عن الإيمان به ، وتلميحا بأنّ هذا العناد هو أثر الجهل الأعمى والتوحّش الفادح الذي تمكّن من نفوسهم القاسيّة ، أمّا أهل المدنية والثقافة فإنّهم إذا لمسوا من حقيقة القرآن الواضحة يؤمنون به فورا بلا ارتياب ، كناية بأن هؤلاء المشركين بعيدون عن الحضارة والعلم ، ومن ثم هذا التأنّف والشموخ الجاهل ! * * * 11 - سورة الكهف : مكيّة استثنى بعضهم منها اثنتين وثلاثين آية ، زعمها نزلت بالمدينة . وهذا إسراف في القول ، لأنّ هذا يعني : أنّ ثلث السورة ، ولا سيّما ثماني آيات من أوّلها مدنيّة ، فكان جديرا ثبتها في المدنيّات ! قال جلال الدين : استثنى من أوّلها إلى قوله : « جرزا » الآيات رقم : 1 - 8 نزلت بالمدينة « 1 » . ولا دليل لهذا الاستثناء إطلاقا ، مضافا إلى استلزامه أن تكون السورة مدنيّة لا مكيّة ! لأنّ الاعتبار في المكيّة والمدنيّة إنما هو بمفتتح السورة وشيء من آيات من اوّلها . هذا والإجماع منعقد على أنّ سورة الكهف مكيّة لا اختلاف فيها « 2 » . ولعلّ المستثني نظر إلى قوله تعالى : « وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً » « 3 » . ولكن ذلك لا يستدعي نزولها بالمدينة لمناسبة وجود اليهود فيها ، بل هي عامّة تشمل النصارى والمشركين أيضا ، على أنّ نزول آية بشأن قصّة يهوديّة لا تستوجب مقارنة نزولها يوم كانوا ينابذون الإسلام ، والآيات بهذا النمط كثيرة

--> ( 1 ) نفس المصدر . ( 2 ) راجع الدر المنثور : ج 4 ص 208 . ( 3 ) الكهف : 4 .